كيف بدأت المصفوفات؟
داخل المصفوفات نجد لاعبين محترفين متقاعدين، ولكي نفهم فكرة التقاعد نقاربها بالأساطير الإغريقية، ففيها نجد أن الآلهة أرادوا خلق عبيد لينوبوا عنهم في تأدية أعمالهم، ومن هنا ارتبطت فكرة العبودية بتقاعد الآلهة (الواصلون للألوهية)؛ فالتقاعد هو أن تجعل غيرك ينوب عنك داخل نظام معين، بينما تنال أنت الطاقة الحاصلة والنتائج النهائية دون أن تعمل، وفي حالة أخرى يتم التقاعد لأنك عملت في الماضي فلا تقدم في المستقبل بل تستقبل، وتنال ثمار عملك دون الحاجة إلى العمل مجددا، والآلهة أو أنصاف الآلهة أو مفهوم اللاعب المحترف لا يحقق تقاعده إلا من خلال إنشاء نظام ينوب عنه، والأنظمة أنماط مؤقتة غير واعية تحقق لنا آلية معالجة مؤقتة من مدخلات إلى مخرجات، واللاعب المتقاعد المحترف هو لاعب أنشأ نظامه الخاص ليعمل من أجله أو بدلا عنه، كالذي يؤسس شيئا يعالج الأمور بطريقة ذكية فيقوم بالعمل بدلا منه، فيتحرر هذا الأخير من العمل والانشغال، كأن ينشئ مشروعا يدر عليه المال فلا يبقى منشغلا بجمع المال، ومفهوم التقاعد على المستوى الكوني هو تمكن اللاعب المحترف المتقاعد من إنشاء كونه الخاص ونظامه وطريقته الخاصة التي تغنيه عن خوضه التجربة بل ينشئ نائبين (أفتارات\بدلاء)، فاللاعب المتقاعد بهذه الطريقة يخرج من التجربة ويضع بديلا له داخلها سواء كان نظاما أو أفتارا ليعمل بدلا منه، بحيث يكون هذا البديل متجددا وله سمات نمطية تضمن لك استمرارية الاستفادة منه على المدى الطويل حتى لا تضطر لخوض التجربة من جديد، يكون هذا بأن ترسم لهذا النائب طريق التحول إليك ومنه فهمها تطور سيصير كل شيء إليك ومنه ينشئ هو بديلا له أيضا ويستمر التطور.
عودة إلى مصفوفة الذكورة والأنوثة، نجد أن الأنوثة قد عُدلت لتستجيب للذكورة المصطنعة داخل التجربة، وهذه الذكورة معبرة عن نظام خاص أنشأته كيانات نجت في المستقبل -والغالب أنها كيانات أنثوية خاصة- بغرض خدمتها وخوض التجربة بدلا منها، لهذا قلنا سابقا أن الدخول إلى التجربة يكون بالذكورة، فالذكورة تعبر عن التجريب، التقسيم والعنصرية، بعبارة أخرى فإن وعي الذكورة هو وعي عناصر أو معطيات التجربة، وكون الذكورة أكثر تجريبا وصانعة للأنظمة فهذا يفسر لنا خضوع الأنثى للنظام الذكوري عبر التاريخ، ولما كانت هذه الكيانات الناجية أو اللاعبون المحترفون يستفيدون من ثمار هذا النظام القابع في ماضيهم، فهذا يعني أن هذا النظام الذكوري هو نظام عالي القيمة حيث أن آثاره امتدت للمستقبل ولم تنحصر في الماضي، فهو نظام لا يمكن الاستغناء عنه لأنه يكفل النجاة لهؤلاء اللاعبين المحترفين.
هذا النظام الذكوري هو تجذر في الماضي ممتد إلى المستقبل، أي أن كل مخرجاته تؤول لخدمة المستقبل، والمستقبل يعبر عن قطب الأنوثة، ومن هنا تفهم لماذا قلنا أن هذه الكيانات المستقبلية هي كيانات أنثوية خالصة؛ حيث أن الكيانات الناجية المستقبلية والمتقاعدة هي أنوثة أنشأت وتولد عليها نظام ينوب عنها داخل التجربة، فقطب الأنوثة يمثل وعي التحرر من التجربة، ووعي الذكورة اختار الذكورة للتجريب لأنها مقرونة بالتعقيد والتقيد بمعيطات وعناصر وأجزاء التجربة، فتجرب الذكورة بدلا من الأنوثة وترسل حصيلة ومخرجات تجربتها وتجذرها إلى المستقبل كالثمرة المعبرة عن الأنوثة، فالذكورة هي آلية للتجريب والتجذر في الماضي أسسته هذه الكيانات المتقاعدة ليعمل بدلا عنها وتستفيد منه، وهذه الذكورة هي تجذر في الماضي يتغذى من شيء أكبر منه كما هو الحال في الجذور والتربة، بهدف الاستغناء عنه في المستقبل مع بقاء فائدته وامتداده، لهذا فهذه الذكورة هي ذكورة عالية القيمة إذ تمتد فوائدها للمستقبل.
ويمكن ملاحظة انعكاس هذه الحقيقة على أرض الواقع، فالذكر منذ بداية التاريخ هو من يعمل ويخوض التجارب، بينما الأنثى تجلس منتظرة للحصول على ما حصله الذكر من عمله، فالذكر يعمل من أجل تحقيق المستقبل، والذكورة كنظام هي في الحقيقة تخوض التجربة وتعمل بدلا من الأنثى، بينما الأنثى تأخذ فوائد تلك التجربة وزبدتها دون الحاجة للتجريب بنفسها، في مثال آخر عندما يتمكن الذكر من تأسيس نظام يعمل بدلا عنه داخل هذه التجربة، فهو في هذه الحال يصبح مستحقا للتقاعد مثل الأنثى، أي أنه أصبح في وعي الأنوثة لأنه يتلقى الفوائد دون أن يعمل.
الأنوثة غير الصافية أو المتذكرة أصبحت تزاحم الرجل في التجربة ومنه تفقد استحقاقها في التقاعد ( التقاعد هو أن يُعمل من أجلك وأنت قاعد)، غير مدركة بأن النظام الذكري في أصله صمم لخدمة الأنوثة، ولو أن الأنثى داخل التجربة هي أنثى معدلة مستجيبة للذكر، إلا أن النظام ما زال يعمل بدلا عنها، فلو عدنا إلى التاريخ ونظرنا إلى الإناث اللاتي كن سيدات في زمانهن واشتهرن بذلك كالملكات وصاحبات السمو، لوجدنا أنهن فهمن طبيعة عمل النظام الذكوري، فتمكنن من أخذ ثماره وهن جالسات دون تجريب أو تدخل يخالف الطبيعة الأنثوية من خلال تمكنهن من تفعيل استقبالهن المقترن بطبيعتهن الأنثوية، ومما سبق نقول أن الذكر مآله الأنثى، فهو ماضي يؤول إلى المستقبل، ومن هنا نفهم لماذا الذكر مدفوع غريزيا نحو الأنثى، فهي تعبير عن مستقبله وفيها يجد خلاصه، والأنثى كمستقبل وخلاص قد تعاقبه أو تجازيه، فتظهر العقوبة مثلا في عدم الاقتران به، بينما تتحقق المكافئة بتحقيق الاقتران وبالتالي يصل إلى مستقبله وخلاصه، والماضي الذي لا يستمر إلى المستقبل ينقرض وكذلك الأمر بالنسبة للذكر المنبوذ أو متدني القيمة داخل المصفوفة، وحتى في النظام الذكري الزاحفي فهو لا قيمة له ويكون في أدنى الهرم، وحتى من الناحية البيولوجية في آلية الانتقاء فالجينات التي لا تستطيع مواكبة التطور والاستمرار تباد وتنتهي، ولا تتمكن من العبور إلى المستقبل أو الانتقال من تجربة إلى تجربة أخرى، وقلنا أن عملية الانتقال بين التجارب تحتاج للأنوثة لأنها كما قلنا وعي التحرر من التجارب، لهذا فالمبادئ والقيم الثابتة المعبرة عن الذكورة والتي لا تتواكب مع التغيير( التحرر) المعبر عن الأنوثة فهي تنبذ من طرف الأنوثة ولا تتمكن من المرور إلى المستقبل، والماضي يكون دائما في حالة إرسال لأنه لا ماضي له فهو الماضي، وبالتالي لا يمكن أن يكون مستقبلا لغياب المرسل لأنه المرسل الأول، والذكر متدني القيمة في النظام المصفوفي رغم أنه غير مرسل إلا أنه لا يستقبل شيئا من الآخرين لأنه منبوذ قابع في أسفل الهرم، وليس هناك من هو تحته حتى يرسل له فالإرسال دائما يكون إلى الأمام أي إلى المستقبل.
مجمل القول في هذا الموضوع هو أن الذكورة تجربة اصطناعية الهدف منها انتقاء برامج ذكورية عالية القيمة لا يمكن الاستغناء عنها، لأنها تحقق عملية تقاعد أنثوية في المستقبل، والإنسان كي يتقاعد يجب أن يصنع بديلا له في التجربة، والبديل يكون مصطنعا وفي هذه الحالة فهو الذكر، والذكر بديل للأنثى في التجربة ويجرب من أجلها ونحن هنا لا نتكلم عن المرأة والرجل بالضبط، رغم أن الأمر ينعكس عليهما أيضا، فكلاهما يحملان الأنوثة والذكورة، حيث تغلب الأنوثة في الأنثى وتغلب الذكورة في الذكر، بل نتكلم عن الأنوثة والذكورة كقطبين يمثلان المستقبل والماضي، النتيجة والسبب، الميل والاستقامة... وكي تخرج من التجريب أي تتحرر من مصفوفة معينة بشكل نهائي تحتم وجود النظام الهرمي لأن المتقاعد دوما في حاجة إلى البديل، فخروجك من المصفوفة يعني إدخالك لبديل عنك، ولكي تنتقل إلى مصفوفة أكثر راحة وتستفيد من الميزات ستُدخل نائبا عنك إلى المصفوفة التي كنت فيها لتخرج منها وتحصل على ميزات جديدة بعد تسوية وضعك، فالمصفوفات متداخلة في بعضها البعض وكل مصفوفة هي ضمن مصفوفة أوسع منها، وعملية التحرر من المصفوفة هي عملية تغيير بين مستويات المصفوفة الأم التي رمزنا لها بـ بيضة الأمومة \مريم في -كتاب وعي الكلمة-، وكل من يدعوا للخروج من المصفوفات هو قابع تحت وعي المنقذ، والمدعي أنه خرج عن المصفوفة فهو في وعي الضحية، والهدف لا أن تكون منقذا ولا ضحية، بل أن تكون الخالق والمخلوق، المرسل والمستقبل في آن واحد، أي أن ترسم مسارك بنفسك وعندما تتقاعد تستقبل من عملك السابق ولا تعتمد على الآخرين، فتتقاعد في المستقبل لأنك أرسلت في الماضي.
الإرسال يتطلب المركز وفضاء مفتوح عكس الاستقبال، فالاستقبال لا يحتاج للتشخيص والتمركز، فالشخص المستقبل كلما تخلى عن التشخيصات والتمركز كلما كان استقباله أكبر، أما التشخيص فهو معبر عن عملية بروز، وهذا البروز هو عملية تميز، والتميز هي صفة متعلقة بالذكورة وبالتالي فالإرسال هو عملية ذكورية، والاستقبال عملية أنثوية، ومن هنا نفهم أن التشخيص وجد من أجل غير المشخص، والميزة في الأصل هي موجودة للحصول على تسوية وهذه التسوية هي عدم التميز، مثلا أنت الآن تقوم بالإرسال لتسوية الماضي، كأن تكون فقيرا في الماضي، والآن أنت غني وتبحث عن التميز المالي، وهذا بهدف البحث عن التسوية، وهذا معنى أن الميزة موجودة بهدف التسوية، فالناس مثلا بسبب نقص فهم يتميزون، وهذا الإرسال هو من أجل تسوية نقصهم وتغطية الفجوة الحاصلة بسببه فتتحقق المساواة.
ولما كان الإرسال يتطلب المركز فالإله المشخص هو ذكر والإله غير المشخص أنثى، وهنا نتكلم عن أنثى أصلية غير معدلة، وهذا أمر دقيق، فالأنثى الأصلية ليست في التجرية وغير مشخصة وغير مجربة، أما الأنثى المجربة غير الصافية فالذكر ينظر لها كمنافس داخل التجربة وينظر لها ككيان غير صاف سواء اعترف بذلك أو لم يعترف، لأن الذكر يبحث عن أنثى لا ماضي لها، والأنثى تبحث عن ذكر لديه ماضي قوي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق