ما هو البعد المزيف؟
خصوصية الإنسان التي تظهر عندما يتصرف ضمن فضائه الخاص ومع نفسه بطريقة معينة، ويتصرف مع غيره بطريقة أخرى هنا تتشكل ازدواجية فيه، وهذه الازدواجية هي عالم موازي ناتج عن الانطباع الذي اتخذه الإنسان عن العالم الخارجي فيظن أنه حقيقته، والعالم الخارجي هنا هو العالم الأصلي أما الموازي فهو متضمن فيه؛ يشكل هذا العالم الموازي فضاء خاصا به تحكمه جيناته وباقي خصائصه وأنماطه الخاصة الناتجة عن تفاعله مع المحيط الخارجي، فتحصل فجوة بين العالمين ويحدث الانقطاع، فينقطع عن خارجه وعن ذاته أيضا ويتصل بأنانيته فقط لأنه لم يعد يستطيع التجانس مع الخارج بسبب غروره الذي جعله يعتقد أنه لا ينتمي لأي شيء خارجه، وهذا القطع هو اللعنة، حيث يقطع الإنسان عن ذاته ويتقهقر ولا يتمكن من التطور، ومهما حاول فرض مساره الخاص وحاول عرقلة المسار العام لن يتمكن من ذلك وسيموت هو ويستمر المسار العام.
هذا العالم الموازي هو أنا موازية للذات الحقيقية تحاول حجبها عنك والفصل بينكما، وهي تعبير عن الوضع الخاص الذي يريد أن يفرض نفسه على الوضع العام وهذا هو الطغيان – طغيان الأنانية-.
العالم الموازي هو عالم باطني أشبه بالدولة العميقة أو الموازية للدولة الظاهرة، وهذه الدولة العميقة تحكمها فئات خاصة تسيرها وفقا لأنانيتها وبما يخدم مصالحها، وتستفيد من ميزاتها في التسيير، وإن كان هناك تعاكس في المصالح بين الدولتين يحدث الاضطراب في السيادة مما يفسد وحدة الدولة ويمنع تطورها، الدول الموازية دائما تقع في باطن الأرض أي من أسفلها حيث الكازيهونات والمافيات وتجار المخدرات والأعضاء، فيسيّرون كل شيء من باطن الأرض وحتى طقوسهم واجتماعاتهم تقام في أماكن مغلقة ومظلمة داخلية، وفي عملية مقاربة نجد أن الدولة العميقة في الإنسان تمتد من أعلى عموده الفقري إلى أسفله، والأسفل هنا يمثل باطنه.
الباطن المزيف مصدر للقوانين الخاصة:
هناك كود عام مفاده أن " كل قانون لا يعرف مصدره هو قانون مشتق من الباطن المزيف، أي هو خاص بأنانية صاحبه"
الباطن المشهور والذي يدعون إليه هو الطاقة السلبية، وهي باطن الإنسان أي أنانيته التي تجعله راغبا في سلب كل شيء إليه وحبسه داخله، فيحاول سلب الخارج وإدخاله إلى داخله وفرض سلطته عليه، كأن تفرض أفكارك الخاصة على غيرك غصبا، وهذه هي الطاقة السلبية التي تريد أن تسلب كل شيء وتحبسه في قوقعة داخلية، والباطن أيضا يعبر عن حالات متدنية من الطاقة والأبعاد البعيدة جدا حيث يصلها المدد الإلهي بشكل ضئيل جدا، وقد عبرنا عنها سابقا بالكيانات المنقرضة والزواحف وهم كائنات فشلت في التطور فتريد سحب كل شيء إليها لإفنائه، وهناك خلط أيضا بين باطن الأرض وسطحها، فالخيرات متواجدة على السطح أما باطنها فيمثل السّلب حيث يدفن كل ما يفسد ويفشل كما هو الحال حين موت الجسد، لهذا فباطن الأرض تعبير عن الطاقة السلبية، والذي يدعوا إلى هذا الباطن فهو يدعوا إلى الأنانية، وهذا ما يبينه القانون العام المطروح، أما القوانين العامة فهي واضحة ومشتركة عكس القوانين السابقة، والذي يدعوك إلى شيء خاص بك أو يسعى لخوصصة أي شيء معك فهو يخدم مصلحته وأنانيته فقط.
في مثال الدولة الموازية، حينما تصبح هذه الدولة الباطنية أقوى من الدولة الظاهرة فإنها تحاول التميز والظهور لتفرض سيطرتها على الدولة الظاهرة أو الأصلية، نجد هذا يحصل في جغرافيا الأرض، فلما قلنا أن الباطن هو طاقة سلبية ترغب في التميز فتُحدث الاضطراب، هذا الاضطراب يشكل زلزال يحرك الطبقات الأرضية، ويحدث فجوات حيث يتمكن ما داخل الأرض من الظهور إلى السطح على شكل نتوءات وهي الجبال مثلا، فالجبال هي تعبير نزعة الباطن في الظهور، وكل ما يظهر على سطح الأرض فهو باطن يحاول الظهور وأخذ مساحة خاصة به من المساحة العامة ليتميز ويحكم، فمثلا الجبل عندما يتكون فهو يأخذ حيزا مكانيا من سطح الأرض فيتميز عن باقي المساحة، وهذا تعبير عن الأنانية، وكذلك الأمر مع الإنسان فكما تكونت جغرافية الأرض تكون جسد الإنسان ليتناسب معها، فنجد جسده فيه أطراف ظاهرة وكلما ظهر فهو يريد أن يحكم، وقد بينا هذا في قراءة سيميائية لجسد الإنسان في مقال " العنف ذروة الحب"، ونصل في الأخير أن رأس الإنسان هو آقصى بروز للباطن وهو مثال لأنانية الباطن حيث يحكم الإنسان كل ما تحته برأسه وكذلك يحاول حكم عالمه.
كيف يتشكل البعد المزيف:
الوضع العام هو مساحة مشتركة متعدد الميزات، وكل محاولة للتميز واتخاذ شكل في هذه المساحة هو عملية لرغبة الباطن في الظهور، فعندما يظهر شكل ما على السطح فهو يتميز بشكله ويأخذ مساحة، وهذا الشكل هو مساحة مضغوطة ومحدودة أي يحمل وعيا باطنيا مضغوطا، وقد عبرنا عنه سابقا بالمسيح المضغوط أو الوعي المسروق الذي يتخذه الإله الأدنى لإنشاء الأشكال، فكل ما هو مشكل هو مختص بحجم ونمط معين، ومنه فهو يفصل ما في الداخل عن ما في الخارج، وهنا تظهر الازدواجية ومفهوم
الظاهر والباطن، نفترض أن هناك ورقة بيضاء عندما نرسم مثلثا داخلها فإن حدود هذا المثلث تفصله عن المساحة الكلية من الورقة فيتشكل لنا مفهوم الداخل والخارج، فيصير هناك وعيين داخلي وخارجي، ويجعل ما في الداخل يحارب الخارج، فإن برز الرأس عن الجسد فذلك يعني أن ما في داخل الرأس يحكم الجسد، وإن قلنا أن الإنسان كجسد برز عن الأرض فهذا يعني أن ما في داخل الإنسان يريد أن يحكم ما في الأرض، وكل ما برز عما أسفل منه هو طاقة سلبية تريد حكم السطح وهذا القول يحتاج إلى تدبر، وكل ما ظهر فهو يمثل باطن الظاهر، فمثلا عندما يكون رئيس العصابة هو نفسه رئيس الدولة فهو يمثل الباطن والظاهر ويحكمهما، فيتعامل في الباطن بشكل خاص وفي الظاهر بشكل عام فتتشكل ازدواجية وهذا هو النفاق، والنفاق من النفق والأنفاق حيث يفتح الرئيس أنفاقا من الظاهر في الباطن فيمزج بينهما، فعندما نقول أنه قد يكون رأس الإنسان منافقا، فذلك يحدث عندما يتصرف مع نفسه بأنانيته فتجده في باطنه يريد أن يختص بالخير لنفسه فقط، أما في الظاهر فيتظاهر أنه يريد أن يعم الخير على الجميع، وهذا عندما يكون رأس الباطن هو نفسه رأس الظاهر.
إن هذا التضمن الذي يتشكل داخل الوعي العام يعبر عن البعد المزيف أو الباطن المزيف الذي يريد الظهور، وبظهوره تنشأ ثنائية الظاهر والباطن، فتتشكل ذات مزيفة أو وعي خاص يحاول فصل صاحبه عن ذاته الحقيقية أو عن الوعي العام، فيظن أن هذا البعد المتضمن هو ذاته الحقيقية، وما ذلك إلى بعد مزيف وأنانية تحاول الحلول في مكان الذات، ومن هنا يحصل الخلط بين البعد المزيف والذات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق